العيني
32
عمدة القاري
منها عضوا من النار ) . وأما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية ، وأما كونه شهرين فلأنه لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء ، فلما أفسد منه يوما كان كمن أفسد الشهر كله من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع ، فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده . وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة ، لأن مقابلة كل يوم بإطعام مسكين ، ثم إن هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حق الله تعالى وهو الصوم ، وحق الأحرار بالإطعام وحق الأرقاء بالإعتاق وحق الجاني بثواب الامتثال . قوله : ( فمكث ) بالميم وفتح الكاف وضمها وبالثاء المثلثة . وفي رواية أبي نعيم في ( المستخرج ) من وجهين عن أبي اليمان : أحدهما : ( مكث ) مثل ما هو هنا . والآخر : ( فسكت ) ، من السكوت وفي رواية أبي عيينة ( فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إجلس فجلس ) . قوله : ( فبينا نحن على ذلك ) ، وفي رواية ابن عيينة : ( فبينما هو جالس كذلك ) ، قيل : يحتمل أن يكون سبب أمره بالجلوس لانتظار ما يوحى إليه في حقه ، ويحتمل أنه كان عرف أنه سيؤتى بشيء يعينه به . قوله : ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم ) ، كذا هو على بناء المجهول عند الأكثرين ، وفي رواية ابن عيينة : ( إذ أتي ) وهو جواب قوله : بينا ، وقد مر في قوله : ( بينما نحن جلوس ) أن بعضهم قال : إن بينا لا يتلقى بإذ ولا بإذا ، وههنا في رواية ابن عيينة جاء بإذ ، وهو يرد ما قاله ، فكأنه ذهل عن هذا ، والآتي من هو لم يدر ، وقال بعضهم : والآتي المذكور لم يسم . قلت : في أين ذكر الآتي حتى قال : لم يسم ؟ لكن وقع في الكفارات على ما سيأتي في رواية معمر : ( فجاء رجل من الأنصار ) ، وهو أيضا غير معلوم . فإن قلت : عند الدارقطني من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب مرسلاً ، ( فأتى رجل من ثقيف ) . قلت : رواية الصحيح أصح ، ويمكن أن يحمل على أنه كان حليفا للأنصار ، فأطلق عليه الأنصاري ، وقال بعضهم : أو إطلاق الأنصاري ، بالمعنى الأعم . قلت : لا وجه لذلك لأنه يلزم منه أن يطلق على كل من كان من أي قبيلة كان أنصاريا بهذا المعنى ، ولم يقل به أحد . قوله : ( بعرق ) ، قد مر تفسيره عن قريب مستوفىً . قوله : ( والمكتل ) تفسير العرق وقد مر تفسير المكتل أيضا وفي رواية ابن عيينة عند الإسماعيلي وابن خزيمة ( المكتل الضخم ) فإن قلت تفسير العرق بالمكتل ممن ؟ قلت : الظاهر أنه من الصحابي ، ويحتمل أن يكون من الرواة ، قيل : في رواية ابن عيينة ما يشعر بأنه الزهري ، وفي رواية منصور في الباب الذي يلي هذا : وهو باب المجامع في رمضان فأتي بعرق فيه تمر ، وهو الزبيل ، وفي رواية ابن أبي حفصة : ( فأتي بزبيل ) ، وقد مر تفسير الزبيل أيضا مستوفىً . قوله : ( أين السائل ؟ ) قال الكرماني : فإن قلت : لم يكن لذلك الرجل سؤال ، بل كان له مجرد إخبار بأنه هلك ، فما وجه إطلاق لفظ السائل عليه ؟ قلت : كلامه متضمن للسؤال أي : هلكت ، فما مقتضاه وما يترتب عليه ؟ فإن قلت : لم يبين في هذا الحديث مقدار ما في المكتل من التمر ؟ قلت : وقع في رواية ابن أبي حفصة : ( فيه خمسة عشر صاعا ) ، وفي رواية مؤمل عن سفيان : ( فيه خمسة عشر أو نحو ذلك ) ، وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثوري عند ابن خزيمة : ( فيه خمسة عشر أو عشرون ) وكذا هو عند مالك ، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الدارقطني الجزم بعشرين صاعا ، ووقع في حديث عائشة عند ابن خزيمة : ( فأتي بعرق فيه عشرون صاعا ) ، وقال بعضهم : من قال : عشرون ، أراد أصل ما كان فيه ، ومن قال : خمسة عشر ، أراد قدر ما تقع به الكفارة ، ويبين ذلك حديث علي عند الدارقطني : ( يطعم ستين مسكينا لكل مسكين مد ) وفيه : ( فأتي بخمسة عشر صاعا ، فقال : أطعمه ستين مسكينا ) . وكذا في رواية حجاج عن الزهري عند الدارقطني في حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : وفيه رد على الكوفيين في قولهم : إن واجبه من القمح ثلاثون صاعا ، ومن غيره ستون صاعا ، وعلى أشهب في قوله : لو غدَّاهم أو عشَّاهم كفى لصدق الإطعام ، ولقول الحسن : يطعم أربعين مسكينا عشرين صاعا ، ولقول عطاء : إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعا ، أو بالجماع أطعم خمسة عشر ، وفيه رد على الجوهري حيث قال في ( الصحاح ) : المكتل تشبه الزبيل ، يسع خمسة عشر صاعا لأنه لا حصر في ذلك . انتهى . قلت : ليت شعري كيف فيه رد على الكوفيين وهم قد احتجوا بما رواه مسلم : ( فجاءه عرقان فيهما طعام ) ، وقد ذكرنا فيما مضى أن ما في العرقين يكون ثلاثين صاعا ، فيعطى لكل مسكين نصف صاع ، بل الرد على أئمتهم حيث احتجوا فيما ذهبوا إليه بالروايات المضطربة ، وفي بعضها الشك ، فالعجب